فضيحة زيت الطيارة

بوربيزا محمد6 نوفمبر 2016آخر تحديث : منذ 4 سنوات
فضيحة زيت الطيارة
رابط مختصر
مديحة صبيوي - *باحثة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الراهن،‭ ‬الرباط

بينما كان المغرب حديث العهد بالاستقلال يتخبط في مشاكل متعددة يتداخل فيها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، انفجرت بالبلد عام 9591 كارثة هي الأولى من نوعها في تاريخه.

أخذت‭ ‬قضية‭ ‬الزيوت‭ ‬المسمومة،‭ ‬التي‭ ‬هزت‭ ‬المملكة‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬الخمسينات، بعدا مأساويا على المستوى الإنساني بالنظر إلى الخسائر البشرية التي خلفتها، وكشفت عن العديد من الاختلالات والصعوبات التي كان يمر بها بناء الدولة المستقلة. لقد رسمت القضية صورة لجو الفوضى الذي ساد البلد آنذاك.

انفجار‭ ‬الكارثة

في منتصف شهر شتنبر من عام 1959، كانت العاصمة الإسماعيلية مكناس تعيش أجواء احتفالية خاصة بمناسبة إحياء ذكرى المولد النبوي، فزيادة على الزخم الذي تعرفه المدينة سنويا خلال الاحتفال بهذه المناسبة الدينية، استعد المكناسيون هذه المرة لاستقبال الملك محمد الخامس في أول خروج له، بعد شفائه، في زيارة رسمية للمدينة.

غير أنه في الوقت الذي كانت فيه الحاضرة في غمرة الاحتفال، واحتشدت الجماهير لاستقبال الملك، بدأت تتوافد على مستشفى محمد الخامس المركزي بمكناس بشكل مفاجئ حالات إصابة متشابهة فيما بينها، لكن غامضة الماهية وكثيرة العدد. تقول إحدى الصحف المغربية الصادرة آنذاك أنه «ورد على مستشفى مكناس يوم 15 شتنبر أحد المرضى يسنده اثنان من ذويه للحيلولة دون سقوطه على الأرض… كان قد بدأ يحس أول الأمر باهتزاز كبير اعترى ساقيه فجأة، ثم أصبح يشعر أنهما لا تقويان على حمله وأن خَدَراً يسري في ذراعيه، ثم لم يعد يحس بوجودهما تماما… لم يمض وقت طويل على ذلك حتى دخل المستشفى مريض آخر يشكو من نفس الآلام، وتلاه ثان وثالث حتى بلغوا خلال مدة قصيرة مائة، ثم مائتين، فثلاث مئة». وتفيد شهادات بعض الضحايا الناجين أن الأعراض المذكورة بدأت تظهر على بعض الأفراد في مناطق أخرى قبل شتنبر، غير أن عددها لم يصبح ملحوظا إلا في ذلك التاريخ بفعل تفشي الإصابات التي أصبحت تعد بالمئات، ثم بالآلاف في غضون مدة وجيزة.

تزامُن انتشار هذه الإصابات ذي الوتيرة الوبائية مع الزيارة الملكية، رفع الإجراءات الاحترازية بالمنطقة إلى درجتها القصوى، خاصة وأن المسؤولين كانوا يجهلون ماهية الإصابات وبالتالي درجة خطورتها وكيفية تطورها. وبناء على ذلك، ألغيت زيارة الملك المقررة إلى الحاجب للقاء القبائل المحتشدة لتجدد له البيعة، ما خلف إحساسا بخطورة الوضع لدى سكان مكناس والمغاربة الوافدين إلى المنطقة، رغم محاولة السلطات العمومية طمأنة الناس تجنبا لأي اضطراب.

شخِص المرضُ بعد معاينة الحالات الأولى على أنه نوع من الشلل الذي ينتقل بطريقة معدية، دون معرفة مُسَبِّبِه، وذلك بالنظر إلى الأعراض المتطابقة تقريبا التي كان يشتكي منها المصابون، والتي تمثلت في ارتفاع درجة الحرارة المصحوب بالقيء وآلام المفاصل، إلى جانب فقدان التوازن وصعوبة التحرك بشكل طبيعي. واكتفى الأطباء على إثر هذا التشخيص بوصف بعض الحُقنِ المسكنة والفيتامينات المقوية للمرضى.

ببلوغ متم شهر شتنبر، كانت الإصابات تسجَّل بمعدل يتراوح ما بين 50 و200 حالة على الأقل يوميا. وبلغ مجموع الأشخاص المصابين آنذاك، خلال مدة لا تتجاوز أسبوعين انطلاقا من تاريخ تسجيل الإصابات الأولى بمستشفى مكناس، 2000 شخص. ومع تسارع وتيرة الإصابات، توسع نطاقها الجغرافي كذلك، حيث أُحصيت حالات أخرى في مناطق متفرقة، من أقصى الشمال، كما في بعض القرى النائية بالجنوب، بينما ظل إقليم مكناس بؤرة الوباء التي تتصدر قائمة المصابين من حيث العدد.

‮«‬زيت‭ ‬الطيارة‮»‬‭ ‬في‭ ‬المطبخ

في الوقت الذي استمر فيه عدد الإصابات في الارتفاع، ظل خبراء الصحة المغاربة عاجزين عن تحديد ماهية المرض، حيث كانت فرضياتهم تتأرجح بين شلل وتسمم، دون الحسم قطعيا بين الخيارين، رغم ترجيح الفرضية الثانية. من جهتها، كانت الإجراءات المتخذة من قبل السلطات العمومية توحي بأن الأمر يتعلق بمرض معد، حيث تم منع التجمعات والتظاهرات الجماعية، وأغلقت الأماكن المستقطبة للأنشطة الجماهيرية وألغيت تلك التي كانت مقررة.

استقرت الإصابات نهاية دجنبر في حدود 10 آلاف حالة حسب الإحصائيات الرسمية، التي تفتقر إلى الدقة بالنظر إلى الطريقة التي أجريت بها، حيث يفترض أن عدد المصابين الحقيقي فاق الرقم المقدم بكثير. وأصيب كل الضحايا في أطرافهم السفلى، بينما لم يعد يستطيع 75 % منهم تحريك أيديهم كذلك. وشُلَّ ما بين 10 % و15 % بصفة كلية. أمام هذا الوضع، توجه المسؤولون في الحكومة نحو طلب مساعدة منظمة الصحة العالمية التي لم تتوان عن إرسال طبيبين ذائعي الصيت من جامعة أوكسفورد البريطانية، وصلا إلى المغرب يوم 26 شتنبر، ليباشرا العمل بالتنسيق مع الأطباء المغاربة. وفي إطار بحثهما الميداني بمدينة مكناس، عثر الطبيبان في دكان تاجر يبيع المواد الغذائية بالتقسيط على قنينة زيت مائدة، تُباع تحت العلامة التجارية «Le Cerf» يبدو مظهرها مثيرا للشك، حيث كان لونها أكثر قتامة من زيت الاستهلاك المعتاد، ما جعلهما يرسلان عينة منها إلى المعهد الوطني للصحة بالرباط لتحليلها. هذه الخطوة بالضبط، كانت هي التي كشفت مسبب الإصابات وماهيتها، حيث أثبتت التحاليل التي أجريت على عدة عينات من الزيت المذكور احتواءه على مادة تستخدم في الصناعات الكيماوية والبلاستيكية، التي يكفي وجود نسبة قليلة منها في أية مادة استهلاكية لجعلها سامة، بل قاتلة في بعض الحالات. وهو ما أكدته رسميا وزارة الصحة العمومية من خلال بلاغ أصدرته يوم 2 أكتوبر، ذكرت فيه أن تسمم مكناس نتج عن استهلاك زيت محلي الصنع يباع تحت العلامتين التجاريتين «الهلال» و«Le Cerf» (المعروف كذلك بـ«لاروي»).

مباشرة عقب الإعلان الرسمي عن ماهية المرض ومسببه، باشرت الشرطة القضائية بمكناس تحقيقها في الموضوع. وأسفرت عمليات البحث عن إلقاء القبض أولا على تاجر مكناسي معروف آنذاك، كان يبيع زيت الاستهلاك تحت العلامتين التجاريتين المذكورتين. واكتشفت عناصر الشرطة أنه كان يمزج زيت الزيتون وزيت المائدة بنوع ثالث، ظهر في نهاية المطاف أنه ليس سوى زيت معدني خاص بتشحيم وتنظيف محركات الطائرات، عُرف بين الناس بعد وقوع الكارثة باسم «زيت الطيارة»، وثبت أنه يحتوي على المركب الكيميائي المسموم. بعد عمليات الاستنطاق، ظهر أن الزيت المعدني تم شراؤه من بعض القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة بالمغرب مقابل أثمان بخسة، من طرف بعض السماسرة أو تجار قطع غيار السيارات أو أصحاب محطات وقود السيارات. والتجأ تجار المواد الاستهلاكية إلى مزجه بزيت المائدة لكونه عديم اللون والرائحة والمذاق، وبخس الثمن، ما يسمح لهم بتحقيق هامش ربح أكبر بعد بيعه.

مع تقدم البحث، تم الكشف عن سلسلة التجار المتداولين للزيت المعدني، الذين يعملون على غرار زميلهم بمكناس على مزجه بزيت المائدة وبيعه لعموم الناس. واتضح أن الأمر يتعلق بقنوات بيع تنشط في مناطق مختلفة، كما ظهر أن مقادير الخلط لم تكن واحدة، حيث كان كل تاجر يعد المزيج الذي يبيعه وفق تقديراته الخاصة وهامش الربح الذي يطمع في تحقيقه، وأثبتت التحاليل المخبرية أن بعض قنينات الزيت المُسمَّم كانت تحتوي على نسبة 67 % من زيت محركات الطائرات، بينما لا تشكل الزيت الصالحة للاستهلاك سوى 23 % من محتوى القنينة.

عبد‭ ‬الله‭ ‬إبراهيم‭ ‬في‭ ‬ورطة

عند وقوع الكارثة، كانت حكومة عبد لله إبراهيم تجتاز اختبارا صعبا بالنظر إلى الوضعية الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة التي كانت تعيشها البلاد حديثة العهد بالاستقلال، والصراع المحتدم على جميع المستويات بين الأحزاب والتنظيمات السياسية من جهة، وبينها وبين القصر من جهة ثانية، والذي انتهى بالإطاحة بها، إلى جانب صدى أحداث الريف التي كانت نهايتها مأساوية، وبعض القضايا العالقة المرتبطة بتصفية الوجود الفرنسي بالمغرب. بالإضافة إلى جميع هذه المشاكل، أصبحت هذه الحكومة عام 1959 مطالبة بالتحرك بسرعة وفعالية لحل المشكل الذي كان على قدر كبير من الخطورة لمسّه بسلامة عدد كبير من المواطنين، ثم بالنظر إلى تشعبه إلى مستويات مختلفة، لكن متداخلة: صحية، واجتماعية، واقتصادية، وجنائية، مما تطلب تدخل كافة القطاعات العمومية. وقد أقر كبار المسؤولين أنفسهم خلال اجتماع مجلس الوزراء المنعقد يوم 28 أكتوبر بتعقد الوضع، حين اعتبروا أن الزيوت المسممة كارثة أو «بلية وطنية».

كانت مسألة تطبيب المصابين ذات أولوية قصوى بالنظر إلى الأضرار الجسيمة التي ألحقها التسمم بأجسادهم، غير أن الخيار الوحيد المتاح كان هو تخفيف الضرر عوض تحقيق الشفاء التام بالنظر إلى طبيعة الإصابة، فوضعت برامج لإعادة تأهيل الضحايا من خلال القيام بعمليات ترويض مكثفة لأطرافهم المشلولة أو المتصلبة، حتى تستعيد أكبر قدر ممكن من حركِيَّتِها. وعلى هذا الأساس، أعلنت وزارة الصحة العموميةُ قرارها فتح سبعة مراكز استشفائية خاصة بذلك، لتخفيف الضغط عن المستشفيات وتسريع عملية العلاج.

أمام ضعف البنية التحتية والتجهيزات في المجال الصحي وقلة عدد الأطر الطبية المؤهلة، كان طلب المساعدة الأجنبية أمرا محتما مرة أخرى. ومنذ نهاية أكتوبر، بدأ عشرات الأخصائيين الأجانب وأطنان المساعدات اللوجستيكية تتقاطر على موانئ المغرب ومطاراته من مختلف الدول، إلى جانب المساعدات المالية، غير أن ما يلفت النظر بخصوص مسألة المساعدات الدولية، الحضور الباهت للولايات المتحدة الأمريكية على قائمة الدول المانحة لهذه المساعدات، رغم أن الكارثة ارتبطت بها أكثر من أية دولة أخرى، وقد أحجم المسؤولون الأمريكيون عن الانخراط بشكل رسمي مباشر في تقديم المساعدات تجنبا لإثارة مسؤوليتهم في القضية.

سارت وتيرة إعداد المراكز وافتتاحها ببطء مقارنة بوضعية المصابين الحرجة وحاجتهم المستعجلة للاستشفاء، حيث لم تفتح بعض المراكز أبوابها أمام المصابين، على رأسها المركز الاستشفائي «المرس» بمكناس، إلا بداية يناير 1960. لتبرير هذا التأخر، أصدرت وزارة الصحة العمومية يوم 6 يناير بلاغا جاء فيه أن «الأمر يتعلق بإقرار جهاز خارق لا يتيسر تحقيقه في وقت قصير». ورغم التحسن النسبي لبعض الضحايا بعد مداومتهم على حصص الترويض الطبي وإعادة التأهيل، فإن عددا منهم حُرم في المقابل من الاستفادة من خدمات هذه المراكز بسبب انحصارها في مناطق معينة، بل يؤكد الضحايا الناجون أنها أغلقت مباشرة بعد عودة البعثات الطبية الأجنبية إلى بلدانها دون أن يتمكنوا من استكمال علاجهم.

لتوفير موارد مالية أولية، تقرر تنظيم الاكتتابات والتبرعات والمهرجانات الرياضية والحفلات المسرحية واليانصيب كحلول مؤقتة، إلى جانب إقرار ضريبة جديدة يؤديها أصحاب السيارات، وإصدار طابع بريدي خاص، من المفترض أن يعود ريعها كلها لفائدة المصابين، الذين أصبحوا عاجزين عن كسب قوتهم وإعالة أسرهم. وبالفعل، صدر يوم 7 دجنبر 1959 ظهير ملكي نص على إحداث طابع بريدي خاص قيمته 4 دراهم كضريبة تؤدى عن شراء السيارات الجديدة والمستعملة. وبمجرد سريان مفعول الظهير من الناحية القانونية، أصبحت عائدات الطابع البريدي الجديد تُجمع في حساب خاص مفتوح لدى الخزينة العامة للمملكة تحت اسم «العصبة المغربية لضحايا الزيوت المسمومة»، على أساس أن يستفيد منها المصابون في شكل إعانة مالية، تُدْفع لكل مصاب بصفة شهرية. إلى جانب ذلك، أصدرت وزارة البريد والتلغراف والتليفون آنذاك سلسلة طوابع بريدية، تتكون من خمس وحدات كتبت عليها عبارة «إعانة ضحايا الزيوت المسمومة: أكتوبر 1959». غير أن تمويل عملية رعاية المصابين لم يقم في الحقيقة على هذه المداخيل، وإنما اعتمد بشكل أساسي على مساعدات الدول الأجنبية.

من جهة أخرى، كان جانب القضية الجنائي هو الأكثر التباسا وتعقيدا. وقد لوح المسؤولون بوجوب تطبيق أقسى العقوبات في حق المتورطين في الجريمة، غير أن المشكل طُرِح على مستوى تنزيل هذه العقوبات من الناحية القانونية، حيث لم يسبق أن تعاملت مؤسسة القضاء المغربية مع قضية من نفس النوع، كما أن النصوص القانونية التي كانت متوفرة حينها بخصوص الغش في المواد الغذائية كانت ناقصة وتتضمن العديد من الثغرات، فحُلَّ المشكل عن طريق إصدار ظهير خاص بالزجر عن الجرائم الماسة بالصحة العامة يوم 29 أكتوبر 1959، أقر عقوبة الإعدام في حق مرتكبي جريمة الزيوت المسممة في فصله الأول، بينما جاء في فصله الثاني أنه «يعاقب على الجرائم المبينة في الفصل الأول ولو سبق اقترافها تاريخ صدور ظهيرنا الشريف هذا». وإن كان هذا الظهير حل القضية ظاهريا، فإنه خلق مشكلا آخر لا يقل أهمية عن الأول، ذلك أنه نقض مبدأ عدم رجعية القوانين الذي يمنع تطبيق نص قانوني معين على جريمة وقعت قبل إصداره، عملا بمبدأ عدالة الأحكام.

أحكام‭ ‬مخففة‭ ‬أم‭ ‬إفلات

بعد استكمال استنطاق المتهمين من قبل قاضي التحقيق، عُرض 24 من التجار ومساعديهم المشتبه بهم في القضية، والذين سبق وحوكم بعضهم في قضايا مرتبطة بالغش في التجارة، على أنظار محكمة العدل الخاصة، التي عقدت أولى جلساتها يوم 11 أبريل 1960 تحت رئاسة إبراهيم قدارة. توالت جلسات المحكمة بوتيرة سريعة، حيث اجتمعت هيأة المحكمة تسع مرات في ظرف أسبوعين.

ومنذ الجلسة الأولى، ظهر سخط هيأة دفاع المتهمين، التي تكونت من أشهر المحامين آنذاك، من قبيل محمد التبر، وأحمد رضى كديرة، والتي انتقدت بشدة كيفية سير المحاكمة، لدرجة أن أحد هؤلاء المحامين عبر عن استغرابه كيف أن «محاكمة قضية الزيوت المغشوشة تتم بمسطرة مغشوشة». وفي الواقع، كشفت الاحتجاجات الكثيرة التي قدمها المحامون بخصوص المحاكمة وإغفال بعض الجوانب المهمة من القضية عن مجموعة من الاختلالات التي لم تكن كارثة الزيوت سوى نتيجة لها. فمن جهة، انتقدوا تفشي الفساد وغياب مراقبة سلامة المواد الغذائية وجودتها، معتبرين أن «المتهمين أنفسهم ضحية أوضاع فاسدة». ومن جهة ثانية، فرضت مسألة رجعية القانون نفسها بحدة، حيث رفضت هيأة الدفاع العمل بمقتضيات ظهير 29 أكتوبر 1959، بمبرر خرقه مبدأ عدم رجعية القانون التي تعتبر شرطا أساسيا لضمان عدل الأحكام. أما من جهة ثالثة، فقد طفت على السطح من جديد قضية القواعد العسكرية الأمريكية التي خرج منها الزيت المعدني المسموم. وبهذا الخصوص، اعتبر أحد المحامين أن هذه الأخيرة تمس بسيادة المغرب على المستوى التجاري على الأقل، من خلال بيع مجموعة من المواد دون الحصول على ترخيص بذلك، كما ذكر أنه سبق ورافع عن مغاربة آخرين مثلوا أمام المحكمة بسبب شرائهم مواد مسروقة من هذه القواعد، يبيعها الجنود في السوق السوداء. ومرت جلسات المحاكمات الواحدة تلو الأخرى دون النظر في احتجاجات المحامين أو الاستجابة لمطالبهم، التي كانت ترفض أحيانا بشكل مباشر وقطعي من طرف رئيس المحكمة.

من الملفت للانتباه كذلك أن هيأة المحكمة التي حرصت على الاستماع لكل من المتهمين والشهود والمحامين، لم تمنح الضحايا، الطرف المتضرر المباشر من الجريمة، فرصة الإدلاء بأقوالهم. ولم يحضر خمسة منهم قاعة المحكمة إلا برفقة عبد المالك فرج، المشرف على معالجة الضحايا ومدير المعهد الوطني للصحة بالرباط، حين إدلائه بشهادته، لكن دون إعطائهم الكلمة.

حل موعد النطق بالأحكام خلال الجلسة الأخيرة المنعقدة يوم 27 أبريل 1960، والتي دامت ساعات طويلة، لتصدر الأحكام كالآتي: خمسة بالإعدام، وثلاثة بالسجن المؤبد، واثنا عشر بالبراءة، بينما أفرج مؤقتا عن ثلاثة متهمين متابعين في قضية استعمال الزيت المعدني في صناعة دهن خاص بالشعر.

في اليوم الموالي للنطق بالأحكام، بادر المُدانون الثمانية إلى تسجيل طلبهم لدى المجلس الأعلى للقضاء بالطعن في العقوبات المقررة في حقهم. وبعد حوالي أسبوع من ذلك، انعقدت جلسة المجلس تحت رئاسة أحمد باحنيني للنظر في الموضوع، غير أنها انتهت دون الحسم في مآل أحكام محكمة العدل الخاصة، لتُحال القضية على ماكسيم أزولاي، المقرر المستشار لدى المجلس، بعدما ارتأت هيأة المحكمة أنها «ليست في حالة صالحة لاستصدار قرار في شأنها». بغض النظر عن اعتماد محكمة العدل على نص قانوني ذي مفعول رجعي، فإن ثقل الأحكام الصادرة في حق المدانين كان متناسبا مع فداحة الجريمة التي ارتكبوها، غير أن المشكل لم يطرح بخصوص الأحكام في حد ذاتها بقدر ما طرح بخصوص مآلها، حيث انقطعت أخبار القضية بشكل تام مباشرة بعد عرضها على المجلس الأعلى للقضاء، ليظل السؤال حول مصير المتورطين دون جواب قطعي، خاصة وأن مختلف المعطيات المُتوصَّل إليها تشير إلى كون الأحكام لم تطبق كما نطق بها رئيس محكمة العدل الخاصة. وتختلف الروايات حول مصير التجار المدانين. الأولى، تؤكد أن هؤلاء استفادوا من تخفيف العقوبات الصادرة في حقهم من طرف هيأة المجلس الأعلى للقضاء، التي حكمت بعدم جواز اعتماد نص قانوني ذي مفعول رجعي صدر بعد وقوع الكارثة، فحولت العقوبات من الإعدام والسجن المؤبد إلى الحبس لمدد زمنية محددة. وبالنظر إلى الجدل الذي خلقه هذا النص آنذاك، والذي انتقده الحسن الثاني نفسه بحدة بعد توليه العرش وشدد على ضرورة الالتزام بمبدأ عدم رجعية القوانين.

في رواية ثانية مختلفة، يؤكد بعض ضحايا الزيوت المسمومة الباقين على قيد الحياة أن المدانين الرئيسيين حصلوا على عفو ملكي عام 1963، فلم تطبق في حقهم لا الأحكام الأولى ولا الأحكام المخففة، غير أن أصحاب هذه الرواية اختلفوا حول كيفية الحصول على هذا العفو، فبعضهم يروي أنه تم سنة 1963 تنظيم طقس «سلطان الطلبة» في مدينة مكناس حيث تقدم «الطَّالْب» الذي مَثَّلَ دور السلطان إلى الملك الحسن الثاني حينها بطلب إطلاق سراح هؤلاء التجار، الذين كان أحدهم قريبه. ويضيف أصحاب الرواية ذاتها أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، حيث تدخل أحمد رضى كديرة بدوره لدى الملك للحصول على عفو لصالح المتهمين الذين رافع لصالحهم خلال جلسات المحاكمة. أما «الحاج إبراهيم»، الذي يتقاسم مع المدانين حرفة التجارة، ومع مجموعة منهم مسقط الرأس أيضا، فيضيف معطى آخر، يتمثل في كون بعض كبار أعيان منطقة سوس تدخلوا لدى الحسن الثاني خلال زيارته تافراوت، التي تنحدر منها مجموعة من العائلات ذات الثروة الكبيرة والتي تقلد بعض أبنائها مناصب حكومية وسياسية بارزة في المغرب عام 1965، لطلب العفو للمتورطين الذين كان بعضهم يتقاسم معهم نفس الأصل القبلي، وتربطهم بهم علاقات معينة. وهو احتمال وارد كذلك، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أهمية الأعيان القرويين بالنسبة للقصر في الحفاظ على قوته خلال تلك المرحلة.

وفي طرح ثالث قريب من الرواية الثانية، تتقاطع مجموعة من شهادات الضحايا حول تقديم الرشوة واستغلال الثروة والنفوذ للإفلات من العقاب. يدعم أصحاب الروايتين الأخيرتين كلامهم بالاستناد إلى أحد المعطيات الذي يزيد القضية تعقيداً، وهو غياب أسماء المتهمين من سجلات السجن المدني بالرباط، حيث كان مقرراً حبسهم في انتظار تنفيذ العقوبات المقررة في حقهم، وهو ما تأكد بحسبهم بعد قيام الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالرباط ببحث بخصوص الموضوع، بناء على طلب جمعيات ضحايا الزيوت المسممة بالحصول على نسخة من حكم محكمة العدل الخاصة، فلم يعثر على الملف الجنائي للقضية بأرشيف المحكمة، كما لم يجد أثرا لأسماء المتهمين بسجلات السجن.

ملف‭ ‬دون‭ ‬تسوية

رغم فتح ملفات أخرى لا تقل تعقيدا، لم تتخذ الدولة موقفا حاسماً لحل المسائل العالقة في قضية الزيوت المسمومة، على الرغم من كون ملفها فتح على أعلى المستويات الرسمية. واكتفت السلطات العمومية بمجموعة من الخطوات المتفرقة والبطيئة، رغم تصريح وزير الصحة عام 2003 بأن المسؤولين «بصدد صياغة خطة تقضي بأن يتحمل كل قطاع مسؤوليته لتدبير الملف». عدا ذلك، لم تعلن أية مؤسسة عمومية تبنيها الملف رسميا.

تعثر الحل جعل الضحايا يلجؤون إلى القضاء، ويرفعون دعاوى استئناف ضد الدولة المغربية في صفة مجموعة من الشخصيات العمومية المسؤولة لدى محاكم مختلفة. وفي الوقت الذي اعتبر فيه دفاع المتضررين من الجريمة أن موكِّليهم لهم الحق في اللجوء إلى القضاء، خاصة بالنظر إلى مسؤولية الدولة بسبب تقصيرها في حفظ سلامة المستهلكين، والخروقات التي شابت المعالجة القضائية للملف خلال مختلف أطوار محاكمة أبريل 1960، وعدم قدرة الضحايا على متابعة قضيتهم آنذاك بسبب حالتهم الصحية المتدهورة وضعف إمكانياتهم وجهلهم، رد الوكيل القضائي للمملكة ببطلان الدعاوى المقدمة تحت مبرر تقادم القضية، وعدم وجود أي دليل يثبت مسؤولية الدولة في الجريمة، وذلك بالرغم من قبول النظر في دعاوى أخرى تجاوزت عشرين سنة.

بالإضافة إلى ذلك، شكلت إعانات/ تعويضات الضحايا جزءاً رئيسيا من المشكل الذي لم يحل إلى حدود اليوم. واختُلِف حول تحديد طبيعة وحجم المبالغ المالية الواجب منحها للناجين من الجريمة، فبينما يطالب هؤلاء بتعويضات، يتحدث المسؤولون عن إعانات، وفي الوقت الذي تحيل فيه الأولى على مسؤولية الدولة عن الحادث، تجنبها الثانية ذلك، وتجعلها في موقع المتضامن، وليس المسؤول. وظل الضحايا إلى حدود 1992، يتقاضون إعانات قيمتها 50 درهما تمنح لكل فرد منهم بصفة شهرية، ليعرف هذا المبلغ زيادة ضئيلة ابتداء من السنة المذكورة، حيث أصبحت قيمته 75 درهما. المشكل أن هذه الإعانات على هزالتها لم تكن تصرف من عائدات الطابع البريدي المنصوص على استفادة الضحايا منها بموجب ظهير دجنبر 1959 والمتحصلة في حساب خاص بالخزينة العامة للمملكة، بل كانت تمنح من طرف وزارة الصحة، ما يطرح سؤالا ملحا حول مصير الأموال المتراكمة في الحساب المذكور، خاصة وأن جهة مسؤولة بوزارة الصحة في شهر دجنبر من عام 2005، أكدت أن الإعانات المخصصة للضحايا مازالت محفوظة بالخزينة العامة للمملكة بالرباط، بالحساب المفتوح باسم الضحايا، الذي لم تصرف منه الوزارة أي مبلغ، وهو ما أكده المسؤولون بالخزينة. ويوم 29 أكتوبر 2008، توصلت عصبة جمعيات الضحايا برسالة من الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالرباط، أكد فيه على أن المشكل «إداري وتنظيمي فقط»، وأن «عائدات التنبر تودع مباشرة بالحساب الجماعي المشترك ما بين ضحايا الزيوت المسمومة ومؤسسات أخرى ولم يقع تبديدها أو اختلاسها»، ما يستدعي بحسبه القيام أولا بعملية فرز الأموال المستحقة لكل طرف.

يوم 15 أبريل 2010، بدا وكأن ملف القضية عرف طريقه إلى التسوية أخيراً، وذلك إثر توقيع اتفاقية في اليوم ذاته بين وزير الاقتصاد والمالية صلاح الدين مزوار، ووزيرة الصحة ياسمينة بادو، والوزير المكلف بإدارة الدفاع الوطني وممثل مؤسسة الحسن الثاني للأعمال الاجتماعية لقدماء العسكريين وقدماء المحاربين، عبد الرحمان السباعي، تتعلق بتكليف مؤسسة الحسن الثاني بتدبير منح تعويضات مالية شهرية لضحايا الزيوت المسممة وإنجاز مشاريع بهدف «إدماجهم السوسيو- اقتصادي».

وجاء في بلاغ لوزارة الاقتصاد والمالية بهذا الخصوص أنه «تم الرفع من قيمة الإعانات الشهرية الممنوحة لهؤلاء الضحايا إلى ألف درهم للضحية، و200 درهم لكل طفل يقل عمره عن 21 سنة… وتقدر التكلفة السنوية لهذه العملية بحوالي 6 ملايين درهم، تمول من رسوم الطابع البريدي الإضافية التي تم تحديدها منذ 1960 في 4 دراهم، تُفرض في حالة اقتناء كل عربة جديدة، على أن تتحمل ميزانية الدولة الفارق»، كما اتّفِقَ على أن تتكلف المصالح الصحية التابعة لوزارة الصحة والمستشفيات العسكرية بتوفير العلاج المجاني للمرضى.

مرة أخرى، لا يبدو الضحايا والسلطات العمومية على وفاق، فبينما ترى الأخيرة أنها حلت المشكل، يعتبر الضحايا أن مبلغ الإعانة الجديد لا يكفي لتغطية مستلزمات الحياة الضرورية، خاصة بالنسبة لأشخاص ليس لهم دخل قارّ، أو لا يملك بعضهم دخلا بالمرة، ويحتاجون إلى عناية طبية مستمرة، كما يعيل بعضهم أسرة كاملة. ويطالبون برفع المبلغ إلى 7500 درهم شهريا، كما يعتبرون أن الاتفاقية لم تحل مسألة المبالغ المتراكمة من عائدات الطابع البريدي منذ 1960 في الخزينة العامة للمملكة، والتي يقدر رئيس العصبة المغربية لضحايا الزيوت المسمومة قيمتها ب 35 مليار درهم.

كلمات دليلية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close