بالصور الصوفية في السودان

بوربيزا محمد
2016-08-29T14:09:58+03:00
منوعات
بوربيزا محمد29 أغسطس 2016آخر تحديث : منذ 4 سنوات

بجلباب أخضر و مسبحة ملفوفة على عنقه، كان الرجل السبعيني يدور حول نفسه مع جعل عصاه المصنوعة من الخيرزان مركزا لدائرة تتسع للمئات، اللذين يرددون بصوت واحد ومنسجم “الله الله الله..”، في مشهد هو مبتدأ “النوبة”، أشهر طقوس الطرق الصوفية بالسودان، ومنتهاها.

في مجتمع تدين أكثريته بالولاء للطرق الصوفية فإن “النوبة”، ذلك الاسم الشعبي الذي يطلق  على حلقات الذكر تعد من أبرز معالم تراثه المتجدد حيث يحرص أتباع هذه الطرق على التجمع في مكان بعينه عند أصيل الجمعة من كل أسبوع لتلاوة أورادهم.

وفي ضريح الشيخ حمد النيل، أحد أشهر شيوخ الطريقة القادرية الذي عاش في القرن التاسع عشر تحتفظ “النوبة” بألق خاص من واقع المئات الذين يحتشدون إسبوعيا لإحياء طقسهم بجوار مرقد شيخهم الواقع في مدينة أمدرمان غرب العاصمة الخرطوم.

تبدأ “النوبة” عادة بعد صلاة العصر وتنتهي برفع آذان المغرب حيث يصطف أتباع الطريقة خلال هذه المدة في دائرة وهم يرتدون جلاليبهم المميزة باللون الأخضر لتلاوة أذكارهم وترديد الأناشيد التي تمجد نبي الإسلام ومشائخ طريقتهم.

ولا يقتصر حضور النوبة على الرجال فقط بل يمتد إلى النساء والأطفال الذين يصطفون على مقربة من الحلقة الرئيسية التي يشكلها الرجال لكنهم يرددون معهم ذات الأوراد.

خلال هذه المدة القصيرة نسبيا تجد الدراويش، الاسم الذي يطلق على المنقطعين للعبادة كليا خلاف بقية أتباع الطريقة، أشد حماسا في الضرب على الدفوف بتناغم مع ترديد الحاضرين للأذكار.

ويعتبر الدراويش أيقونة “النوبة” حيث يتولون جميع شؤونها ابتداءً من تنظيف المكان وتعطيره بالبخور وليس انتهاءً بتنظيم الحشود وتوفير مياه الوضؤ لهم.

ومع تلاوة الأذكار تجد الدراويش يتمايلون يمينا ويسارا أو دوران أحدهم حول نفسه بالكامل وبسرعة مطردة مع وقع الضرب على الدفوف حتى تلك النقطة التي يسقط فيها مغشيا عليه من هول “الحضرة” أو ما يعتبره المتصوفة نقط الاتصال الروحي مع الخالق.

ومن آداب “النوبة” أن من يسقط لا يساعده رفاقه على النهوض حتى لا يفسدون عليه هذه اللحظة الروحية التي يتعطش إليها كل الحاضرين.

ولا تقتصر إقامة “النوبة” على يوم الجمعة فقط بل تكون أكثر حضورا في مناسبات أخرى مثل الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف وإحياء ذكرى مشائخ الطرق الصوفية.

لكن لضريح الشيخ حمد النيل ما يميزه حيث تجد العشرات من الغربيين يحرصون إسبوعيا على حضور “النوبة” وسط حفاوة من أتباع ومشائخ الطريقة القادرية.

ومشيرا إلى ثلاث رجال ذوي ملامح أوربية مندمجون في متابعة الطقس الصوفي، قال حسن علي أحد مريدي الطريقة القادرية: “هولاء هنا للتعرف على الجانب المشرق من الإسلام”.

ويضيف علي “هولاء عرفوا الإسلام في بلادهم من خلال فعائل المتطرفين وهذه فرصة ليتبينوا عظمة ديننا الحنيف”.

وفي جانب آخر كانت امرأة غربية أيضا ترتدي سروالا تقف على مقربة من حلقة الذكر أشار محدثي إليها قبل أن يسألني “هل ستكون محل ترحيب لو ذهبت إلى أولئك المتطرفين للتعرف على الإسلام؟”.

وغير عابئة بما يوجه أحيانا من انتقادات لممارسات بعض الطرق الصوفية كالتوسل بالأضرحة، تتفق محاسن النور الذي جاءت برفقة زوجها وطفليها لحضور “النوبة” مع علي قائلة “من يأتون إلينا هنا يعرفون سماحة الإسلام التي يتحلى بها الصوفية وهم يدعون إلى الله بالتي هي أحسن”.

وتضيف النور  أنها تحرص على اصطحاب طفليها معها لأن هذا المكان هو “الأفضل للتربية الروحية السليمة”.

وبينما كانت أشعة الشمس تنسحب إلى الغرب ضرب أحد الدراويش بقوة على الدف الذي يمسكه معلنا نهاية “النوبة” التي لا تمثل سوى بداية لنوبة جديدة كما كان عليه الحال طيلة القرون الماضية.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close