الكويرة : مصير مدينة بين مطالبة كل من البولبساريو و موريتانيا و المغرب

بوربيزا محمد20 سبتمبر 2016آخر تحديث : منذ 4 سنوات
الكويرة : مصير مدينة بين مطالبة كل من البولبساريو و موريتانيا و المغرب
رابط مختصر
وسيط أون لاين
تفصل سبع كيلومترات مدينة “الكويرة” الواقعة بأقصى الجنوب الغربي لإقليم الصحراء المتنازع عليه، عن العاصمة الاقتصادية لموريتانيا “نواذيبو”، وهنالك تصمد صفحة تاريخية مفتوحة يتملك هاجس طيها الخوف لدى كثير من سكانها، الذين هجرهم الجيش الموريتاني قبل أكثر من أربع عقود، بسبب الحرب بين مسلحي جبهة “البوليساريو” (الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب) ونظيره الموريتاني.

تلك المدينة المطلة على المحيط الأطلسي، كانت قبل عشرات السنين مزدهرة تجاريا لاسيما إبان الاستعمار الإسباني (1884- 1975)، وعامرة بالناس، حيث بلغ عدد سكانها حينها 8 آلاف نسمة، وتحولت على مدار أكثر من أربعة عقود إلى ما يمكن وصفه بـ”مدينة الأشباح” بعد أن أصبحت خالية من سكانها الذين هجّرهم الجيش الموريتاني عقب بدء النزاع الثلاثي عليها بعد زوال الاحتلال، حيث آلت إدارتها إلى موريتانيا، فيما يعتبرها المغرب جزء من حدوده الجنوبية، أما جبهة “البوليساريو” فتعتبر المدينة “وديعة” لدى موريتانيا طبقا لاتفاقية الجزائر، الموقعة في 1979، وجزءا من الإقليم الذي تطلق عليه “الجمهورية العربية الصحراوية”، والذي تطالب بإدارته.

ومنذ ما يزيد قليلا على الـ 40 عاما الماضية، اضطر سكان المدينة إلى النزوح صوب مدينة “نواذيبو” في الداخل الموريتاني ومنها إلى مقاصد شتى، حيث تم إخلاء المدينة من السكان والتجار، قبل أن يتم إلحاق “لكويرة” إداريا بمحافظة “نواذيبو” الموريتانية في أغسطس/ آب 1979 بعد توقيع اتفاق السلام في الجزائر، والذي بموجبه خرجت موريتانيا من حرب الصحراء، في انتظار تسوية نهائية للقضية الصحراوية برمتها.

“اسْوَيْلْكَه لعْروسي”، واحدة من سكان المدينة، وإحدى عناصر المقاومة والتي غادرتها مكرهة وهي شابة، تروي قصتها التي مر عليها أكثر من 4 عقود قائلة: “في لحظة ما فتحنا أعيننا فوجدنا العساكر الموريتانية تدلف إلى داخل المدينة وتعمل على ترويع وإخافة الجميع، كانوا يبحثون بين السكان وداخل البيوت عني”.

وتضيف “لعروسي” “بعد ذلك فر الكثير من الرجال إلى الجزائر فتوقفت المقاومة نهائيا (..) لقـد كنت وغيري من النساء مسلحات وعلى استعداد للمواجهة قبل أن يتم أسرنا واقتيادنا إلى نواذيبو، ومنذ الإفراج عني وأنا أعيش هنا انتظارا ليوم العودة إلى لكويرة”.

وتعود لعْروسي، للوراء عشرات السنين فتتذكر بحرقـة كيف كان حال مدينة “لكويرة” حيث عملت تاجرة لبيع الذهب في محل والدها، والذي وصفته بأنه كان “عامرا ومزدهرا شأنه فـي ذلك شأن المدينة، التي كانت ذات طابع عمراني فريـد في محيطها، وعـجت بالبضائع والسلع مما يغري الزوار والسواح القادمين من إسبانيا ومن موريتانيا وغيرها بالتوافـد عليها للتسوق والبحث عن البضائع التي تنفرد بها المدينة”.

ووصفت لعروسي المدنية بأنها “كانت بمثابة منطقة حرة، بل إن البعض كان يفضل نمط الراحة والاستجمام فيها؛ حيث الشواطئ النظيفة والسمر التقليدي (..)، اليـوم أصبح المكان مهجورا، والبيوت خرابا، والمدينة في وضع مزر، كما قيل لي أن الرمال زحفت عليها من كل مكان”.

أما الشاب “أمبارك المسعودي”، المنحدر من أسرة أجبرها الجيش الموريتاني على مغادرة “الكويرة”، أعرب عن رغبته في العودة لمدينته، قائلا : “حدثني أبي كثيرا عن الثروة التي كنا نملكها هناك ما يدفعنا إلى العودة لمحالنا ومنزلنا (..) باختصار نحـن سكان لكويرة نريد العودة إلى مدينتنا”.

وبسبب استمرار النزاع على الإقليم وغموض مصير المدينة بين مطالبة كل من البولبساريو و موريتانيا و المغرب بالحق في إدارتها، ترفض موريتانيا عودة السكان إلى البلدة.

وعلى إثر توقيع اتفاقية السلام بين جبهة البولِيساريو و موريتانيا ( 1979) بسـطت المملكة المغربية سيطرتها على المدن المأهولـة في وادي الذهب (جنوب إقليم الصحراء)، فيما امتنعت قواتها إراديا عـن اجتياح “لكويرا”، وهو ما أرجعه عبد المجيد بلغزال، عضو المجلس الملكي الاستشاري لشؤون الصحراء (مغربي حكومي) في تصريحات  إلى طلب تقدمت به فرنسا (المستعمر السابق لموريتانيا) للرباط، من أجل تفادي خنق الاقتصاد الموريتاني، والذي يعتمد على ميناء “نواذيبو” القريب جدا من لكويرة.

وفي نفس الاتجاه، قال المحامي والروائي الموريتاني محمد ولد أمين لصحيفة وسيط أون لاين, إن “اجتياح لكويرة يمثل حسرا لموريتانيا في الزاوية ودفعها لمواجهة المغرب ، في حيـن كانت نواكشوط في تلك الحقبة الصعبة تسعى للتنصل من الملف الصحراوي، بعدما استنزفت حرب الصحراء الموارد الاقتصاديـة لموريتانيا وما خلفته من انعدام استقرار سياسـي لا تزال مظاهره بادية حتى اليوم.”

وخلال الفترة الماضية يبدو أن تحريك ملف “الكويرة” من قبـل الحكومات المعنيـة بالنزاع على حيازة إقليم الصحراء قــد قطع الهدوء الذي يخيم على شبه جزيرة الرأس الأبيض (الذي يضم الكويرة ونواذيبو على المحيط الأطلنطي)، فعلى مدى العامين الأخيرين اضطـرت الرباط مرتين إلـى طلب ايضاحات من نواكشوط حول صحة الأنباء المتداولة حول رفع العلم الموريتاني في سماء المدينة التـي يعتبرها المغرب الطرف الجنوبي من حوزته الترابية.

في المقابل، نفت موريتانيا بشكل قاطع تلك المعلومات ورأت أن وضـع “الكويرة” لـم يحن وقت الحسم فيه نهائيا؛ وهـو ما عبـر عنه المحلل السياسي الموريتاني، محمد بابا ولد أعلاتي، في حديث ، قائلا: “المعادلة الجيو-استراتيجية، تقتضي أن تبقى موريتانيا حذرة و صارمة في الوقت نفسه، لكن من الوارد التأكيد على أن سكان المدينة هم موريتانيون ، وأغلبهم انتظم في جمعيـة تسعى للحصول على تعويضات من الدولة الموريتانية، بينما القلة هي التي تشردت أو اختارت مخيمات اللاجئين لدى البوليساريو ، وسبـق لسكانها وأن اختاروا الوقوف إلى جانب بلدهـم موريتانيا”.

وأضاف أعلاتي أن “سكان المدينة سيكونون رقما صعبا فـي أي استفتاء قادم (الاستفتاء الذي دعت إليه الأمم المتحدة لتقرير مصير إقليم الصحراء)، وهـو ما قـد يظهـر لاعبا ثالثا ليس غبيا وليس من الضعف بمكان بحيث لا يحصل على نصيبه المبرر أمنيا وتاريخيا”.

عقود طويلة من ممارسة الوصاية الموريتانية على “الكويرة”، التي أصبحت مصدر خلاف صامت بين المغرب و موريتانيا، أما “البوليساريو” فتعتقـد أن المدينة تبقـى “وديعة” لدى نواكشوط انتظارا لمسألة تقرير المصير في شكله النهائي، وعلى النقيض منهما فإنه من النادر أن تتحدث الحكومة الموريتانية عن الوضع الخاص بالمدينة، ويرى الكثير من المتابعين أن هذه الحاضرة ستشكل استثناء ضمـن أي حل قادم.

ومنذ اندلاع النزاع حول حيازة إقليم الصحراء عام 1975، أُبعد النشاط البشري عن المكان فتحولت “الكويرة” إلى مدينة مهجورة يسكنها الأشباح، بينما ترابط على مداخلها حامية من الجيش الموريتاني، وتنشط دوريات البحرية المغربية على سواحل شبه الجزيرة، وهي شواطئ شديدة كثافة الأسماك وهو ما يغري بها الصيادين غير الشرعيين.

وتمتلك مدينة “الكويرة” أجواء بحرية وحيوية نادرة حيث يخيم على أطلالها طيلة العام جــو معتدل؛ لا تقطعه سوى رياح الكناري الباردة (رياح قادمة من جهة جزر الخالدات في المحيط الأطلسي).

وأبقى المستعمرون الإسبان في المدينة عدة أبراج للمراقبة الأمنيـة ومـدافع عملاقة يعـود بعضها للعام 1911 بالإضافة إلى آثار أبرشيـة تابعة للكنيسة الرومانية الكاثوليكية أقامتها الجالية الإسبانية خلال ستينيات القرن العشرين، كما يشكل الميناء القديـم معلـما بارزا، فبعدما كان نقطـة هامة للتبادل التجاري على محور إسبانيا- الكناري- ماديرا- البرتغال وموريتانيا، أصبـح مرفقا مهجورا، وبالإضافة إلى ذلك أبقى المعمرون بيوت العائلات ومحال تجاريـة لا زالت بعض شواهدها بارزة.

وبدأت قضية الصحراء عام 1975، بعد إنهاء الاحتلال الإسباني وجوده في المنطقة، ليتحول النزاع بين المغرب و”البوليساريو” من جهة، وبين هذه الأخيرة وموريتانيا من جهة ثانية إلى نزاع مسلح، بعد توقيع الرباط و نواكشوط لاتفاقية مدريد، التي بموجبها ضم المغرب الجزء الشمالي وأخذت موريتانيا الجزء الجنوبي من الإقليم، واستمر النزاع المسلح حتى عام 1979 مع موريتانيا، التي انسحبت من إقليم الصحراء المتنازع عليه، التي ضمته المغرب من جديد، بحكم أنها تعتبر الإقليم كله أراض مغربية، باستثناء “لكويرة” التي بقيت تحت سيطرة موريتانيا إلى اليوم، فيما سيطرت البوليساريو على المناطق الشرقية.

وامتد النزاع المسلح بين المغرب و “البوليساريو” حتى عام 1991، بعد توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار والاتفاق على تنظيم استفتاء لتقرير المصير برعاية الأمم المتحدة وهو ما لم يحدث حتى الآن بسبب الخلافات الحادة بين الطرفين على من يحق له التصويت من سكان الإقليم.

وأعلنت “البوليساريو” قيام “الجمهورية العربية الصحراوية”، عام 1976 من طرف واحد، اعترفت بها بعض الدول بشكل جزئي، لكنها ليست عضواً بالأمم المتحدة، ولا بجامعة الدول العربية، إلا أنها عضو في الاتحاد الإفريقي.

وفي المقابل عمل المغرب على إقناع العديد من هذه الدول بسحب اعترافها بها في فترات لاحقة، وتسبب الاعتراف من طرف الاتحاد الإفريقي سنة 1984 بانسحاب الرباط من المنظمة، قبل أن تعلن الشهر الماضي رغبتها في العودة إلى المنظمة الإفريقية من جديد.

وتصر الرباط على أحقيتها في الصحراء، وتقترح كحل حكماً ذاتيا موسعا تحت سيادتها، بينما تطالب “البوليساريو” بتنظيم استفتاء لتقرير مصير المنطقة، وهو طرح تدعمه الجزائر التي تؤوي النازحين الفارين من الإقليم بعد استعادة المغرب لها إثر انتهاء الاحتلال الإسباني.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close